جلال الدين السيوطي

127

الإتقان في علوم القرآن

وقال ابن تيميّة « 1 » : قولهم : نزلت هذه الآية في كذا ، يراد به تارة سبب النزول ، ويراد به أنّ ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب ، كما تقول : عني بهذه الآية كذا . وقد تنازع العلماء في قول الصحابيّ : نزلت هذه الآية في كذا ، هل يجري مجرى المسند ، كما لو ذكر السبب الذي أنزلت لأجله ، أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند ؟ فالبخاري يدخله في المسند ، وغيره لا يدخله فيه ، وأكثر المسانيد على هذا الاصطلاح كمسند أحمد وغيره ، بخلاف ما إذا ذكر سببا نزلت عقبه ، فإنّهم كلهم يدخلون مثل هذا في المسند . انتهى . وقال الزركشيّ في البرهان « 2 » : قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أنّ أحدهم إذا قال : نزلت هذه الآية في كذا ، فإنّه يريد بذلك أنّها تتضمن هذا الحكم ، لا أنّ هذا كان السبب في نزولها ، فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية ، لا من جنس النقل لما وقع . قلت : والّذي يتحرّر في سبب النزول أنّه : ما نزلت الآية أيّام وقوعه ، ليخرج ما ذكره الواحديّ في سورة الفيل من أن سببها قصّة قدوم الحبشة به « 3 » ، فإنّ ذلك ليس من أسباب النزول في شيء ، بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية ، كذكر قصة قوم نوح وعاد وثمود وبناء البيت ، ونحو ذلك . وكذلك ذكره في قوله : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [ النساء : 125 ] سبب اتخاذه خليلا ليس ذلك من أسباب نزول القرآن ، كما لا يخفى . تنبيه : ما تقدم أنّه من قبيل المسند من الصحابيّ : إذا وقع من تابعي فهو مرفوع أيضا ، لكنه مرسل ، فقد يقبل إذا صح السّند إليه ، وكان من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة ، كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ، أو اعتضد بمرسل آخر ونحو ذلك « 4 » . المسألة الخامسة : [ تعدد أسباب النزول ] كثيرا ما يذكر المفسرون لنزول الآية أسبابا متعدّدة ، وطريق الاعتماد في ذلك أن ينظر إلى العبارة الواقعة : فإن عبّر أحدهم بقوله : نزلت في كذا ، والآخر : نزلت في كذا ، وذكر أمرا آخر ، فقد

--> في الكبرى ( 8974 . 8975 . 8976 ) 5 / 314 ، وابن ماجة ( 1925 ) ، والدارمي ( 1053 ) 1 / 261 ، وابن حبان ( 4166 . 4197 ) ، وأبو يعلى ( 2024 ) ، والحميدي ( 1263 ) ، والواحدي في أسباب النزول ص 75 . 76 ، والطحاوي 3 / 40 . 41 ، والبيهقي 7 / 194 . 195 . والبغوي في تفسيره 1 / 198 . ( 1 ) مقدمة في أصول التفسير لشيخ الإسلام ص 34 . 38 . ( 2 ) . 1 / 31 . 32 . ( 3 ) قال الواحدي في أسباب النزول ص 464 : « نزلت في قصة أصحاب الفيل ، وقصدهم تخريب الكعبة ، وما فعل اللّه تعالى بهم من إهلاكهم وصرفهم عن البيت وهي معروفة » ا ه . ( 4 ) اعتضاد المرسل بالمرسل له شروط ، انظرها في مظانها من كتب المصطلح ، ورسالتي : « القول المنيف في حكم العمل بالحديث الضعيف » .